الحمد لله الذي شرع لنا مايقربنا إليه ويدنينا، ونهج لنا من الطرق ما يكفينا ويغنينا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، قال في محكم تنزيله: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بعثه الله بالهدى، شِرعةً وتوحيداً، ونوراً مبيناً، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، أفضل الناس علماً وعملاً ويقيناً، وعلى تابعيهم بإحسانٍ، وسلَّمَ تسليماً كثيراً، أما بعد:
صاحبَ السمو الشيخَ سلطانَ بنَ محمد القاسميَ، وليَّ عهد إمارة الشارقة، ومُمَثِلَ راعيَ هذه الدورة،
معاليَ الأستاذَ الدكتورَ أكملَ الدين إحسان أوغلو، الأمينَ العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي،
معاليَ الأستاذَ الدكتورَ عبدَالسلام بنَ داود العبادي، أمينَ مجمع الفقه الإسلامي الدولي،
أصحابَ السمو والفضيلة والمعالي..الحضور الكرام:
أحيكم بتحية الإسلامِ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،
أيها الجمع المبارك:
جرت سنة الله في عباده، أن الناس كلما ابتعدوا عن الهدى وحادوا عن الجادةِ والصراط السوي، قيَّظَ الله لهم أئمةً يهدون بأمره, ودعاةً يدعونَ إلى دينه بالأدلةِ الصحيحةِ والبراهينِ الواضحةِ، كما أنه سبحانه يشدُّ أَزْرَ هؤلاء الأئمةَ الهُداة برجالٍ يحبون الفضيلةَ ويحيونها، وينبذون الرذيلةَ ويُميتونها، لا تأخذهم في الله ولا في الحقِ لومةُ لائم، وفي هذا العصر الذي كَثرَ فيهِ الخلافُ والاختلاف، وعَشيتْ فيه الرؤيةُ، وكثُرتْ فيه المسائلِ والنوازلِ وما أنتجه التقدمِ الحضاريِّ، ويرحم الله الإمامُ الآجُرّيَ، فكأنما يصور هذه الحالَ في قوله: (فما ظنكم رحمكم الله بطريقٍ فيه آفاتٌ كثيرةٌ، ويحتاج الناسُ إلى سلوكه في ليلةٍ ظلماءَ، فإن لم يكن فيه ضياءٌ وإلا تحيروا، فقيض اللهُ لهم فيه مصابيحَ تضيء لهم، فسلكوه على السلامة والعافية، ثم جاءت طبقات من الناس لابد لهم من السلوك فيه، فسلكوا، فبينما هم كذلك، إذْ طُفِئتْ المصابيحُ، فبقَوْا في الظلمةِ، فما ظنكم بهم؟! هكذا العلماء في الناس)..إلى آخر كلامه رحمه الله.
وفي هذه الظروف المعاصِرة، تشتد الحاجةُ إلى العلم الشرعيِ وعلمائِه، يقول: الإمامُ أحمدُ رحمه الله: (والناس محتاجون إلى العلم أكثرَ من حاجتهم إلى الطعامِ والشراب، لأن الطعامَ والشرابَ يُحتاجُ إليه في اليوم مرةً أو مرتين، والعلمُ يُحتاج إليه بعددِ الأنفاسِ) انتهى كلامه رحمه الله.
وما الأزمةُ الاقتصاديةُ العالمية، وما تَنَادِيْ المنادينَ بالاقتصاد الإسلامي عنكم ببعيد، لذا كان لزاماً على علماء الأمة، وورثة أنبيائها، أن يتداركوا الأمرَ، فيضيئوا بنور العلمِ ظلماتِ الجهلِ، ويُرَشِّدوا الخلافَ، و يرفعوا الاختلافَ، بِحثِّ الأمةِ على الاعتصام بحبل الله المتين (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولاتفرقوا) ودعوتِها إلى الأُلفةِ والوَحدةِ،
ونبذ التنازع والفرقة (ولاتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) معتمدين في ذلك على الله سبحانه، متوكلين عليه، الشورى نهجهم، والتناصح سبيلهم، ويستنير كلٌّ منهم بما عند أخيه من العلمِ والرأيِ، في اجتهادٍ جماعيٍّ يَرُومُ الحقَ، ويَنبِذ الهوى، فتعود بإذن الله للأمةِ هيبتها، ويظهر جمالُ الشريعةِ وشموليتُها.
أيها الإخوة الكرام:
تنعقد هذه الدورةُ التاسعةَ عشْرةَ، من دوْرات مجمعكُمُ المباركِ، في ضيافة دولةِ الإماراتِ العربيةِ المتحدةِ الشقيقةِ، دولةِ الكرمِ والسخاءِ، ومواكِبةِ التقدمِ والحضارةِ، في تَمَسُّكٍ بدينها، واعتزازٍ بإيمانها، وثباتٍ على أصالتها، لتجمعَ بين الاعتزازِ بالدينِ وسُمُوِّ الروحِ والأخلاقِ، وبين التطورِ والحضارةِ، فاسمحوا لي أيُّها الإخوةُ نيابةً عنكم، أن أتَقدمَ بالشكرِ وعظيمِ الامتنانِ لَها، قيادةً وحكومةً وشعباً، على حُسنِ الاستقبالِ وكَرمِ الضيافة، والحفاوةِ بالعلمِ وأهلِه، وتحيةً خاصةً لإمارةِ الشارقةِ العزيزة، إمارة القيمِ والثقافةِ والأصالةِ، وحاكِمِها العَالِم الباحثِ، وولي عهده الأمين، سليليِ الأمجادِ، ونجليِ الكِرام، فالشُكرُ لهم يُزجى, والفضل إليهم يُنسَبْ.
أصحابَ السموِ والفضيلةِ والمعالي والسعادة، أيها الجمعُ الكريم،
إن الهدفَ الرئيسَ لمجمعكم المباركِ، والدورَ البارزَ المنوطَ به، هو عرض الشريعةِ عَرْضاً يُبْرِزُ مَزاياها، ويُظهِرُ قدرتَها على معالجة المشكلات الإنسانيةِ، وعلى تحقيقِ سعادةِ الإنسان في الدنيا والآخرة، وَفْق تَصَوّرٍ شاملٍ للإسلام دينِ الله القويمِ بأصوله ومصادِرِه، وقواعدِه وأحكامِه، ذلكم أنَّ تحكيمَ الشريعةِ هو ثمرةُ الفقه الذي يُنَظِّمُ الواقعَ الإنسانيَ ويرعاه بكلِ أبعاده، وتوجيهاتِ الشريعةِ الإسلاميةِ، هي النبراسُ لِحياةِ المسلمينَ في كل مجالاتها: عبادةً لله، ومعاملةً لخلقه، وإصلاحاً للدنيا على هَدْيٍ من الخالق جل وعلا، وإنّ أحكامَ الفقهِ الإسلاميِ كانت ولاتزالُ الضابطَ لحركةِ هذه الحياةِ، ووقائِعها المتجددةِ، ضبطاً يَكْفَلُ تحقيقَ الحياةِ الطيبةِ الموعودِ بها في قول الله سبحانه: (من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فلنحيينه حياةً طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ماكانوا يعملون).
وَنهجاً يُبْرِزُ عطاءَ الإسلام للإنسانية جمعاءَ، في دفعها نحو الاستقرارِ والرخاءِ، والسعادةِ المرتبطةِ بشريعته الكاملة، وهَدْيه الربانيِّ الحكيمِ، في قولِ الله تعالى: (فمن اتبع هداي فلا يضل ولايشقى)، ولذا جاءت الشريعةُ الإسلاميةُ، لِتَتَكفّلَ باحتواء مشكلاتِ كلِ عصرٍ ونوازلِه المستجدةِ، واستيعابِ مُنْجَزاتِه، بِفقهِها المنضبطِ بأصولهِ، المرنِ بوسائِله، وإنّ في مقاصدِ الشريعةِ وروحِ نصوصِها اعتبارَ ذلك كلِه من أجلِ بَني الإنسانِ، يقول الله تبارك وتعالى: (مافرطنا في الكتاب من شيء). ولهذا فإن من المتعيِّن على علماء الأمة، في مجمعكم وغيرِه من مجامعِ العلماءِ، دراسةَ مايجدُّ في الحياةِ من نوازلَ ومسائلَ، تَحتاجُ إلى الفُتيا وإبداءِ الرأيِ الشرعيِّ، في اجتهادٍ جماعيٍّ يوصِلُ بإذن الله إلى الحُكْمِ الأَسَدِّ في هذه المسائلِ والنوازلِ، وإنّ قيام المجمع برسالته، في إبلاغ دينِ اللهِ وشرعِه في حكمِ كلِ جديدٍ، من خلال بحوثِه الموثوقِ بِِها وقراراته المُحَكّمة، لَيُسْهِمُ بعون اللهِ في جمعِ كلمةِ المسلمين، وتوحيدِ صفوفِهم وتضامنهم، وإبرازِ صلاحيةِ الشريعةِ الإسلامية لمواكبةِ كل زمانٍ ومكان، مع استشراف آفاقه وتطوراته، ومراعاةِ المصلحةِ لأفراده وجماعاته، نُصحاً لله ولرسوله ولأئمةِ المسلمين وعامّتِهم.
إن لمجمعكمُ المباركِ منذ إنشائه، وعلى مدى ربعِ قرنٍ من الزمانِ، قصبَ السبقِ ببحوثه المتخصصة، وقراراته المحكّمة، وتوصياتها الوافية، لَيُبيّن للناسِ كمالَ هذه الشريعةِ، بما يدفع الحياةَ نحو المستقبلِ الأفضلِ.
وتأتي دورتُكُم هذه لِتَنْتَظِمَ في المسيرةِ المباركةِ، لِتبحثَ قضايا مهمةٍ ونوازلَ كبرى، في مَحاورَ عديدةٍ من واقعِ حياةِ المسلمين، في الاقتصادِ والعمرانِ، والفكرِ والطبِ وغيرِها، تَنطلقُ دراساتُها من الأدلةِ الشرعيةِ والقواعدِ الكليةِ، والأصولِ الضابطةِ لفروع الأحداثِ وجزئياتها، لتستوعبَ ما طرأ من تطورات، وتجتهدَ في معرفةِ حكمِها الشرعيّ، لتعيشَ الإنسانيةُ على هَدْيٍ من خالقها، فيتحققُ لها بإذن الله كلُّ خير، ويندفعُ عنها كلُّ شر، وتفوزُ بعقبى الدار، وذلك الفوز المبين: (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته، وذلك هو الفوز المبين).
صاحبَ السمو، أيها الجمعُ الكريم،
وقبلَ أن أختِمَ كلمتي في مستهل دورتكم هذه، ومن بابِ حفظِ الحقوقِ لأهلها، وإزجاءِ الثناءِ، والشكر لمن يستحقه، لايفوتني باسم المجمع وأعضائه وخبرائه وباحثيه، وجميع العاملين فيه، ونيابةً عن طلبةِ العلم، وعن كلِ من استفاد وانتفع بمخرجات المُجَمّعِ ونتائجه وانجازاته، وباسمي شخصياً، وباسمكم جميعاً، يسرني ويسعدني أن أُقّدِمَ عظيمُ الشكر، ووافر الامتنان، وبالغ التقدير، لمعالي أمين المجمع السابق، معالي شيخنا وأستاذنا، الأستاذ الدكتور محمد بن الحبيب ابن الخوجة، العالم العلامة حفظه الله على جهوده المباركة، وأعماله العظيمة، خلال توليه المسؤولية في أمانة المجمع، وهو الذي أولى العمل بالغ اهتمامه، وعُرِفَ بالحرصِ والتفاني، وحُسُن الإدارة، ومتابعة العمل بدقةٍ بالغة، طوال فترة عمله في الأمانة، منذ تأسيس المجمع، وحتى بلغَ رُبعَ قرن من مسيرته المباركة، وهذه الكلمات لايمكن أن توَّفيه حقه، فهو الشيخ الكريم، والمفتي الجليل، والعالم الجهبذ، فجزاه الله عنا وعن المجمع، وعن العلم وأهله، وعن الإسلام والمسلمين خيراً، وبارك الله في عمره وعلمه وعمله.
كما يسرني أيها الأخوة الكرام نيابةً عنكم، أن أرحبَ أجمل الترحيب بخلفه، معالي الأخ الكريم الأمين العام، الشيخ الأستاذ الدكتور عبدالسلام بن داود العبادي،وهو الغني عن التعريف، فهو وزير الأوقاف السابق في الأردن الشقيق، ذو المكانة المتميز في خدمة العلم وأهله، وجهوده الخيرة، في مؤسسة آل البيت، كما أنه حفظه الله وبارك فيه ليس بغريب عن المجمع، فهو ابنه البار، ومن أعضائه الفاعلين، وخبرائه المعدودين، في أبحاثه ومشاركاته وإسهاماته العلمية، كما أنه أكاديمي علم، فأهلاً به وسهلاً.
وفي الختام أسأل الله جل وعلا أن يباركَ في جهودِكمْ، وأن يسددَ خُطاكم، وأن يجعلَ التوفيقَ حليفكم، وأن ينفع بكم جميعاً الإسلامَ والمُسلمين، وأن يجزيَكُم على ذلك خير الجزاء وأحسنَه، إنه سبحانه جوادٌ كريم،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.