بسم الله الرحمن الرحيم

 

مجمع الفقه الإسلامي الدولي أحد صروح الفقه الإسلامي بثوبه الجديد و رؤيته الواسعة، جاد به الزمان في وقت كان الفقه يتهم بأنه أسلوب قديم لا يعرف الواقع المعاصر والمستقبل المشرق، كان يقال: إن الفقه لم يعد يساير عصر الحضارة الصناعية والعالم المتغير، وكان يقال: إن الإسلام لم يساير تطور الحياة نظرا لعدم التجديد  الملائم للواقع، وكان يقال: إن الأمة الإسلامية لم تعد تنتج الفقهاء المجددين والعلماء الربانيين كما أنتجته العصور الأولى… ويقال أكثر من ذلك مما لا يروق لي ذكره؛ لأنها أقوال من لا يعرف عن الإسلام  أنه محفوظ بحفظ الله تعالى وأن الله تعالى يقيض له في كل عصر رجالا عدولا  ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين” جاء هذا المجمع ليكذب تلك الأقوال الشانئة للفقه والإسلام، ويظهر أن خيرية هذه الأمة بفقهائها الأفذاذ لم يزل قائما أصيلا في مشارق الأرض ومغاربها، وهم الذين يكونون لبنات هذا الصرح الإسلامي العظيم الذي يشع نوره في الخافقين، ويغذي عقول الأمة من فقهاء ودعاة وحكماء وساسة وعامة بأنوار الفقه المتجدد، الذي ينير طريق الخير ويفتح آفاق المستقبل بعلم أصيل وفكر مستنير، مع ضعف موارده وقلة ناصريه.

 لقد بلغ هذا المجمع العتيق ربع قرن من عمره الزاهي بمؤتمراته وقراراته وندواته وتوصياته وإصداراته وتوجهاته وتوجيهاته، فأثرى الساحة العلمية بنحو مائتي قرار فقهي اقتصادي وتعبدي وفكري واجتماعي وطبي، شعت من معين الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ومن معين الفقه المذهبي والفكر الإسلامي الرصين، فغدت قراراته مرجع المفتين والاقتصاديين والأطباء وغيرهم، فمنها يستنيرون وعليها يعتمدون، فتكون أقوالهم معتبرة ومستنداتهم مؤصلة، فإن هذه القرارات قد بلغت شأوا بعيدا من التمحيص والتدقيق، إذ يعكف عليها عشرات الفقهاء بحثا ومناقشة وصياغة ومراجعة، فنضجت واحترقت بذلك البحث والتمحيص، ولم تكن كالأقوال الفردية التي يستنبطها الفرد بجده وجهده، فإن عمل الفرد لا يكتمل إلا بتضافر الجهود عليه، فما كان فقه مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد لينال ذلك الاعتماد ويبلغ ما بلغ الليل والنهار إلا بما صاحبه من بحث وتمحيص من قبل أتباع تلك المذاهب، وإلا فقد كان من أقران أولئك الأئمة من هم مثُلُهم أو أكثر منهم علما، لكن لم ينل فقههم ذلك الاعتناء الذي حصل لهؤلاء الأئمة من قبل أتباعهم، فكذلك هذه القرارات التي تتمخض عن هذا المجمع الموقر ونحوه من المجامع الأخرى، فإنها تدخل معترك النقاش والبحث الجاد من قبل فقهاء الأمة أهل الخيرية بمنصوص قول خير البرية “من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين” كما أخرجه الشيخان.

لقد عقد هذا المجمع الموقر مؤتمره التاسع عشر في إمارة الشارقة برعاية أميرها العالم العامل الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، وكانت دورته هذه من أروع الدورات المتعاقبة للمجمع، لما كان فيها من ثراء علمي متعدد، إذ بُحث فيه عشرة موضوعات مختلفة، وحضر فيه نحو مائتا فقيه ومفكر وداعية، وكتب فيه نحو مائة بحث رصين، محصت من قبل لجنة علمية أكاديمية ونوقشت نقاشا مستفيضا على الملأ الحاضر والمشاهد، فكان اغتباطنا بهذا المجمع كبيرا وتقديرنا له عظيما وثناؤنا على المنظمين عطرا، وإن يكن لي من قول آخر فهو أني آمل أن يزداد نشاط المجمع وتكثر لقاءاته وقراراته، وأن تكون الاستفادة من جهوده كبيرة، فإن الحجة به قائمة والنفع منه متيسر.

والله ولي التوفيق.

 

الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد

اضف تعليق